لا ديمقراطية زائفة ولا علمانية زاحفة.. بل حكم الرشيد

لا ديمقراطية زائفة ولا علمانية زاحفة.. بل حكم الرشيد
لا ديمقراطية زائفة ولا علمانية زاحفة.. بل حكم الرشيد
الغربُ بشكل عام .. وأوروبا بشقيّها الغربي والشرقي عانت ولا تزالُ من تطرفيّن مقيتين : تطرفٌ ديني ( أراد ولا يزال يُريد أن يحبسَ الناسَ في أروقةِ الكنائس ويحجبَهم عن الحياة .. بتعاليم كهنوتية رهبانية ) وتطرفٌ علماني دنيوي        ( أراد ولا يزالُ يصرّ على المفاصلةِ التامةِ بين الحياة والكنيسة والتعاليم الكهنوتية ، وأن لا علاقةَ بين الدين والحياة ) بل زاد أكثرَ من ذلك ، فقرّر أن ( الدينَ أفيون الشعوب ) ... فلا التطرف الأول فهم دينه ( الذي هو موجه بالأساس لتنظيم المسيرة البشرية ، ولإقامة الحياة الآمنة العادلة ) ولا الثاني فهم علمانيته ( التي تحث على العلم ، والعالمية .. والتي لا تتعارض من الأساس مع الدين .. بل الدين أحد مرتكزاتها ) .
 
فجاء حكم الشعب ( الديمقراطية ) ليعبر عن طموحات الحالمون بالحرية ، الكارهون لأفيون الشعوب .. فجعلوها قائمة على ( عقد الأداء ) بين ( الحاكم ، والمحكوم ) والذي يرد ( مرجعية التشريع إلى الشعب ) مع ( تغييب عقد الإيمان بالله تعالى ) فالأغلبية هي التي تقرر على الإطلاق ( ما هو الحق ، وما هو الباطل .. في حياة الأمة  ) .. ( أي أنهم مرجعية التشريع ) والأغلبية هي التي تختار الرئيس وتنتخبه .. فهل هذه حقيقة مطلقة .. أم واجهة زائفة  ؟
 
وعند تسليط الضوء على حاملة لواء الديمقراطية في العالم .. أقول بكل ثقة : بل ديمقراطية زائفة ، وعلمانية زاحفة لأن الشعب لا يحكم كما قُرِرَ له .. لا من خلال الكونجرس المنتخب منه لتشريع القوانين  ، ولا من خلال صناديق الاقتراع التي تقرر من الرئيس الأمريكي القادم .. فمن يقر القوانين بشكلها النهائي ، ويصوت عليها هم أعضاء ( مجلس الشيوخ الأمريكي ، وليس الكونجرس ) ومن يحدد الرئيس الأمريكي الجديد القادم هو ( المجمع الانتخابي الأمريكي ، وفق تصويت أعضائه ... وإن خالف صوت الشعب ) .
 
وفي إطار ثورة المعلومات ، وتطور تقنيات التواصل السياسي ، والثقافي ، والفكري .. والتدافع الحكيم بين أتباعِ الأديانِ والحضارات .. انبثق منذ بداية الثمانينات ( تيارٌ إنسانيٌّ عاقلٌ ) يعمل جاهداً من أجلِ وضع حدٍ للتناقض المُفتعل والصراع غير المبرر بين ( الدين ، والدنيا ) وبين (الروحي ، والمادي) وبين (المعبد ، والسوق) في ميادين الحياة .. وبدأت الأوساط الثقافية ، والفكرية ، والسياسية تردد عبارة ( الحكم الرشيد  Good Governance) بدلاً من عبارة ( العلمانية ) أو ( الحكم المدني ) أو ( الحكم الديني ) أو ( الديمقراطية ) ليكون مصطلح ( الحكم الرشيد ) مصطلحاً عالمياً تتكامل في إطاره كل إيجابيات والمقاصد النبيلة للمصطلحات المشار إليها آنفاً .. ولتحترم في منهجه خصوصيات أتباع الأديان والثقافات والحضارات .
 
وها هو اليوم مصطلح ( الحكم الرشيد Good Governance  )  آخذٌ بالانتشار في الأوساط الثقافية والفكرية والسياسية في العالم ، وأصبح معتمداً لدى الكثيرٍ من مراكز البحوث العالمية .. وقُدمت بحوثٌ حول فلسفة ومقاصد هذا المصطلح من جهات متعددة في العالم .. والبروفيسور حامد بن أحمد الرفاعي كان من أبرز الشخصيات الفكرية العالمية .. التي ساهمت منذ البداية بفعالية في بلورة ونحت هذا المصطلح .. وقدمَ البروفيسور الرفاعي رؤى بشأن تحديد معاني ومقاصد مصطلح ( الحكم الرشيد ) نعرض فيما يلي جوانب منها : 
الحكم الرشيد  : هو الذي يقيم مصالحة بين الدين والدنيا ، وتواصل وتكامل بين المعبد والسوق .. ويستفيد من شرائع الأديان والبشر .. من أجل بناء دولة حضارية عادلة آمنة .. تساهم في إقامة تعايش بشري أخوي عادل وآمن .. يتمتع بخيرات الأرض من غير احتكار ولا هيمنة .
الحكم الرشيد : يقيم العلاقة بين واجبات الحاكم ، وواجبات الشعب .. وفقا لمنطلقات عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم .. ووفقا لمبادئ العدالة والمساواة داخل كل دولة .
الحكم الرشيد : يسعى لبناء مجتمع دولي أخلاقي عادل راشد .. تُجلُّ به قُدسية حياة الإنسان وكرامتُه وحريته وممتلكاته .. وتُصانُ معه سلامة البيئة.. ويتحققٌ التعايش الآمن بين المجتمعات .
الحكم الرشيد : يُقيم دولة ( مؤمنة، تعاقدية ، تعددية ، تداولية ، إنسانية ، حضارية ، تشاورية ، أخلاقية عادلة ، راشدة ) ويقيم التكامل المتوازن بين ( الدين ، والدنيا ..  والروح ، والمادة .. والمعبد ، والسوق ) .
الحكم الرشيد يؤكد : أن الناس جميعاً أسرةٌ واحدةٌ .. ربهم وخالقهم واحد .. متساوون في الكرامة ، والحقوق والواجبات .. وهم  أمام العدل  سواء لا تمايز  بينهم بحال .
الحكم الرشيد : حكم يعتمد تعددية انتماءات الشعب ( الدينية ، والقومية ، والعرقية ، والمذهبية ) ويعتمد تنوع أطيافه الفكرية والثقافية من أجل حفظ سيادة الوطن واستقراره وأمنه ووحدة أراضيه وتنمية موارده .
الحكم الرشيد : يؤمن بأن التعددية في الرأي وتنوع الوسائل ..هو إثراء لقدرات المجتمع وتنوع خياراته في تحقيق التنمية والارتقاء .
الحكم الرشيد يؤكد : أن عمارة الأرض ، وإقامة العدل مسؤولية إنسانية مشتركة .
الحكم الرشيد : حكم تفعيل وتشجيع وتطوير كفاءات ومهارات المواطنين .. في جميع ميادين الحياة .. من أجل بناء الوطن وتعزيز سيادته وأمنه واستقراره ووحدة أراضيه .
الحكم الرشيد : حكم التكامل والتلازم بين الحقوق والواجبات .. وبين المغانم والمغارم .
الحكم الرشيد : ينظم مسؤوليات الرجل والمرأة عل أساس التكامل المنصف بينهما .. فكل منهما يتمتع بكامل المسؤولية في البيت والمجتمع .. كلٌ حسب إمكاناته وخصوصياته .  
الحكم الرشيد : يضمن حق الشخص في التمتع بحياة حرة كريمة .. وحقه في التعلم ، وتوفير الطعام واللباس ، والصحة ، وكل المتطلبات الأساسية في الحياة . 
الحكم الرشيد : يسعى لإحياء حركة استئناف حضاري إنساني .. من خلال تفعيل كل كفاءات ومهارات وإبداعات المواطنين .. وبالاستفادة من كل إبداعات ومهارات ووسائل الآخرين .
الحكم الرشيد يؤكد : أن بناء الأوطان .. وعمارة الأرض .. وتنمية الموارد .. وإقامة العدل مسؤولية إنسانية مشتركة .
الحكم الرشيد يؤكد : أن الإنسان حر .. لا يجوز بحال انتهاك قدسية حياته حريته وكرامته وحقوقه وممتلكاته 
الحكم الرشيد : يؤكد أن مقاصد قوانين ومبادئ وآليات الحكم .. ينبغي أن تحقق مصالح الإنسان والمجتمعات 

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

التالى إستحقاقات ما بعد بعد «فجر الجرود»!؟

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة

إعلانات مدفوعة