فلاديمير تماري.. بعيداً عن فلسطين وفي قلبها

على تنوّعها، يمكن ربط كل الأعمال الفنية والعلمية للـفنان الفلسطيني فلاديمير تماري (القدس 1942 - طوكيو 2017)، الذي رحل الإثنين الماضي، إلى الطبيعة الخاصة في فلسطين، أو للدقة، إلى الصورة البصرية التي احتفظ بها الفنان الذي بدأت قصته مع الفقدان بخسارة مدينته يافا في نكبة عام 1948، ثم باحتلال مسقط رأسه، القدس، بعيد هزيمة 1967 وهي المدينة التي ارتبط بها أثناء نشأته في رام الله وفيها.

يقول هنا: "الضوء في فلسطين واضح، شمس في تمام الإشراق وهواء نظيف، هذا كله يمنح الأشكال والأجسام، وإن كانت بعيدة، صلابتها الحقيقية ووضوحها الكامل، لا ضباب يؤثر على المساحات بين الأشياء"، ولعل هذا ما يفسّر ولع الرجل في تحويل المدرك البصري إلى مجسمات ثلاثية الأبعاد، انشغال تجاوز الحدود الفنية بالرسم والتصوير إلى مكتشفات لافتة في الفيزياء الحركية أصبغت على تجربة صاحب "البرتقالي الغريب" ميزة المزج بين حساسية الفنان وروح العالم المخترع.

"صحيح أن الشعب الفلسطيني لا يمتلك تقليد "ستوديو التصوير" بالرغم من كثافة المفردات البصرية التي ورثها من العمارة الإسلامية والخط العربي، لكنه ينظر إلى الأشياء نظرة مميزة، نظرة تقوم على الحذر المسالم والتأمل، بفعل التاريخ الطويل من الغزو والحروب الذي شهدته البلاد إلى جانب استعراضات الجيوش وقوافل الحجاج والسياح، من هنا نشأت لدي الرغبة في تطوير أداة تعبر عن الصلابة المكانية".

لم تتوقف انشغالاته البصرية عند حدود الكشف الفيزيائي والتصوير الفني بالرسم التجريدي، بل تعدى ذلك إلى انكبابه في عام 1972 على تثبيت قواعد الخط العربي الجديد الذي سمّاه بـ"خط القدس"، وهو خط مطبعي واضح وعملي يمكن صفّه بما لا يزيد عن 56 شكلاً. وهو مستلهم من خط قرآني وكوفي قديم وفي نفس الوقت ذو تصميم حديث وسهل لطبع كتب الأطفال، كما يوضّح تماري، بالإضافة إلى تقديمه اختراعاً مسجلاً في المملكة المتحدة في عام 1965 يتعلق بالطباعة، وبشكل خاص في تقديم مجموعة محسنة من منضدة الأزرار للطباعة تقلل من عدد الحروف اللازمة لطباعة اللغة العربية، ناهيك عن أبحاثه المسجلة في الفيزياء الحركية في أبعادها الثلاثية متعددة السطوح، والمسطحة المستوية ذات البعدين والأبعاد المنظورة في حجمها الثالث المرئي، والتي تجلّت في العديد من لوحاته التي قال عنها: "كنت في أوائل الستينيات أرسم الواقع كما أراه، وبعد 1967، أي بعد الهزيمة، اتجهت أعمالي نحو التجريدية".

"
صمّم شعار الجبهة الشعبية بالتشاور مع الشهيد غسان كنفاني
"

في مجموعته البصرية "الأحمر ينتشر، سبع صور للأحمر" (2008)، يقدّم الفنان الفلسطيني مجموعة من الصور التي ترتكز خلفيتها بالمجمل إلى اللون الأحمر، تراوحت الصور بين وجوه بشرية واختراعات ثلاثية الأبعاد، واحتفاء بانشغالات زوجته اليابانية بالأعمال اليدوية، بالإضافة إلى مقاطع من الطبيعة اليابانية.

في العام 1969، قدّم فلاديمير تماري الذي وصف نفسه بأنه لم يكن منخرطاً يوماً في الثورة الفلسطينية بشكل مباشر وإنما من موقعه كفنان، التصميم الجديد لـ"اللوغو" (الشعار البصري) لـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، يقول: "كنت أتساءل لماذا لا يوجد لدى فصائل المقاومة شعار واضح ومؤثر؟"، ثم صمم اللوغو/ الشعار الذي يحيل إلى فلسطين من خلال السهم الذي يمتد عبر حرف الجيم بالتشاور مع الشهيد غسان كنفاني.

إلى جانب إخراجه فيلماً وثائقياً عن القدس بعد الاحتلال الثاني عام 1967، باستخدام لقطات مسجلة تعود إلى وكالة "الأونروا"، قام تماري بتحرير هذا الفيلم وتنظيم سرده وتنظيم المقاطع الموسيقية المرافقة، في محاولة للتعبير عن مشاعر الفلسطينيين عقب فقدان عاصمتهم ومركز حياتهم الروحية والتجارية والفكرية، على حد تعبير المؤسسة المنتجة للفيلم "ستوديو بعلبك" ()، التي لم يعد لها وجود، كما ساهم في إخراج كتاب صور فوتوغرافية عن مجزرة صبرا وشاتيلا، بالإضافة إلى مشاركته في إعداد كتاب "رسوم الأطفال في زمن الحرب".

شكلت الثقافة اليابانية - كما يقول - "درساً مستمراً لمعماري مثلي في التوفيق بين هذه الأضداد"، أي في تعلم كيفية تحقيق الانسجام بين حياته الداخلية والعالم الخارجي - وكيفية التعبير عن هذا الانصهار في فنه. فالحدائق الهادئة في مدينة كيوتو اليابانية، على سبيل المثال، هي مواد مجردة في آن واحد، تقع كما يقول: "على الحدود بين الفن والواقع".

"
استلهم من الثقافة اليابانية ملكة التوفيق بين الأضداد
"

يقول هنا: "أعيش على حواف المجتمع الياباني في طوكيو، وعلى وجه التحديد في مدينة غربية صناعية داخل ثقافة شرقية قديمة، وأحلم بالقدس، هذا هو الانقسام الذي جعلني أشعر بأنني أعيش منفياً في المنفى".

في مجموعته الفنية "هلوسات بصرية" (2016)، ينطلق تماري مرة أخرى من "خبرة من يتعرّضون إلى التخدير جراء العمليات الجراحية الطويلة والهلوسات البصرية الناتجة عنها"، وهي خبرة شخصية تعرّض لها الراحل جراء عملية جراحية قام لاحقاً بتحويلها إلى سلسلة من ثلاث لوحات ترتكز على هذه المشاهد، وهي عبارة عن "فراء برتقالي يتحوّل شيئاً فشيئاً إلى جلد مريض"، و"وجه أخضر يتحول إلى شكل سينمائي مرعب"، و"أجسام هندسية تتحرك في فيلم إلكتروني".

منذ طفولته، استخدم الألوان المائية لالتقاط وتصوير تفاصيل البيئة والحياة في فلسطين، رغبة مشبعة بالعاطفة الجامحة قادت صاحب (الأزرق الحقيقي) إلى تقنية لتمثيل الأبعاد الثلاثة للواقع على سطح ثنائي الأبعاد من الورق، إنها محاولة "للرسم في الفضاء"، أو وعلى وجه الدقة، جعل الفضاء البصري ملموساً وذا أبعاد ثلاثة.

اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق "فنون أحواش": مساجلات الشعر الأمازيغي
التالى معين الطاهر.. أسئلة الثورة وحلم المقاتل

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة

إعلانات مدفوعة