أخبار عاجلة
الرباط الصليبي يبدأ في حصد ضحاياه قبل المونديال -
العجوز: تريث الحريري سحب فتيل أزمة -
مخرج مصري يهاجم نجوم السينما.. لهذا السبب! -
الذئاب تهاجم قاعدة "فوستوتشني" الفضائية الروسية -
بشار الأسد: العروبة لم يبنها العرب خاصة في سوريا! -
فيسبوك تختبر إضافة إحدى مزايا سناب شات إلى مسنجر -
"الفيلم الأوروبي": كاميرا تلاحق التنوّع -

حج

حج
حج

لينكات لإختصار الروابط

على الأرض المنبسطة القريبة من سفح الجبل، احتشد مئات الناس. من كل الأعمار. أطفال وشباب وشيوخ بصحبة عصيّ للمشي. وصلوا إلى المكان بسياراتهم الخاصة والحافلات العامة، وحافلات شركات السياحة المعلبة. الجو مشرق وحرارة الشمس تتخلل الأجساد المتشوقة لها.
سألني شيخ وقف بجانبي، وقد لاحظ حيرتي وترددي: هل هذا حجك الأول؟

قلت: نعم.

قال: من الأفضل أن تستأجر عصا من ذلك الحانوت، وتأخذ قنينة ماء معك. إن طريق الصعود إلى القديس صعب.

رفعت رأسي عاليا، فلم أر قمة الجبل، إلا أنني لاحظت أشكالا صغيرة مثل النمل، تزحف صعودا، فغاص قلبي وجعا، وأدركت جسامة الخطأ الذي ارتكبته بالمجيء إلى هنا. ما معنى هذه الزيارة البائخة، والسير مثل خروف بين قطيع؟ ألم يكن من الأجدى التمشي في المدينة، ثم الجلوس في حانة، أو مقهى، وقراءة الصحيفة اليومية، وكتابة بطاقة بريدية إلى زوجتي وولدي؟

شعرت بتورطي في هذه الزيارة. إلا أنني تذكرت وعدي لصديقي الأيرلنديين براين وماري، أن أزور مقام القديس سان باتريك، فتنهدت بحسرة، وسرت مع السائرين.

وأنا أخطو خطواتي الأولى على المرتفع، أقنعت نفسي بأن هذا سيكون أول وليّ من أولياء الله الصالحين، أزوره باختياري. أو على الأقل لرغبتي في تنفيذ رغبة صديق. الأولياء الآخرون زرتهم مجبراً إما كطقس موسمي، أو يومي، مع عائلتي أثناء مرحلتي الطفولة والمراهقة، وهجرته كليا أيام الشباب.

أئمة الكاظم وكربلاء والنجف وعبد القادر الكيلاني. كم من الدعوات أطلقتها أمي، من أجلنا، وهي متشبثة بقوة وعزيمة بشبابيك أضرحتهم! كانت تدعو لي بالهداية، وترك السياسة والاستقرار، ولأختي بالصحة والزواج من ابن الحلال بأسرع وقت ممكن، قبل أن يفوتها القطار، منبهة الإمام إلى أنها تجاوزت العشرين من عمرها. كانت نتيجة الدعاء عكسية تماما. فها أنا في المنفى منذ عشرين عاما، وأختي عانس مزمنة في بغداد. لحسن الحظ، لم تعش الوالدة طويلا، لترى مفعول دعائها.

سررت لأنني ارتديت حذاء رياضيا جيدا. "يحتضن القدم ومضاد للتزحلق". هل هذه هي كلمات ابني الأصغر، يستخدمها للدفاع عن ارتدائه الحذاء الرياضي دائما، أم أنها كلمات سمعتها في إعلان تلفزيوني؟ لا أدري، لاحظت أن الشيخ السائر، أو الأصح الزاحف ببطء ورائي، كان يرتدي حذاء غريب الشكل. لم أر له مثيلا من قبل. كأنه مفصل خصيصا له. ابتسم الشيخ في وجهي.

قال: أرى أنك لم تسمع نصيحتي. لعلك محق. الشباب بغنى عن الاتكاء على العكازات.
قررت السير بسرعة أكبر قليلا، لأبتعد عنه. لأتفادى الدخول في متاهة القيل والقال. كان من الصعب جدا تنفيذ القرار، والابتعاد لتغير طبيعة الأرض من كونها مبلطة بالإسفلت القديم، إلى أرض صخرية مغطاة بتربة، مغطاة بدورها بحصى ناعمة. صارت كل خطوة غير محسوبة، ستؤدي لا محالة إلى التزحلق والانكفاء على الوجه.

بدأنا بالتسلق من مستوى سطح البحر. ونحن على ارتفاع معقول، التفت، فرأيت بدء تشكل منظر طبيعي جميل. أرض خضراء ممتدة بسخاء، حتى تكاد تلامس البحر. سمعت صوت خرير مياه ونباح كلاب من بعيد. قرأت في دليل المنطقة أن ارتفاع الجبل يبلغ ثمانمائة متر. كانت الأحجار، مع الارتفاع التدريجي، تزداد حجما. تشبه الحصى في مظهرها، إلا أنها حجرية متباينة الأشكال والحجوم. الطبقة الترابية خفيفة مثل الزغب الشعري النامي على وجه مراهق. للجبل لحية مراهق. طبقة غبار مرشوشة بتعمد، لتموه وجود الصخور الوعرة تحتها. بعيدا، على السفح رأيت قطيعا من الخراف، وأعلى بين الصخور الناتئة، كان هناك قطيع ماعز. رائحة روث وبعرور.

فكرت: هذا ولي من أولياء الله الصالحين، يحب السكن في أحضان الطبيعة، ويتآلف معها. إنه إمام أخضر. رغما عني، ضحكت بصوت عال. إلا أنني سرعان ما بلعت الضحكة. نظرت حولي متوقعا سماع صوت أمي، وهي تنهرني قائلة: لا تضحك عندما نزور الأئمة... حرام.
وقفت مع الواقفين. أمام تمثال صغير لامرأة تحتضن طفلا. مريم العذراء تحتضن السيد المسيح. عند قدميها حوض ماء صغير.

قال الشيخ الذي ظهر فجأة من الغياب ليقف بجانبي: ضع يدك في الحوض، وامسح جبينك بالماء.

نفذت فورا ما ذكره الشيخ، وأنا ألعن براين الذي ورطني هذه الورطة، كما لعنت جبني الذي يجعلني أطيع الكبار في السن، وأحترمهم، حتى إن كانوا مصابين بالخرف. لماذا لم أصرخ في وجهه رافضا؟ انصعت لتعليماته. هذه آخر مرة أسمع فيها كلام أحد. ابني الكبير، ما كان سينفذ شيئا بدون أن يسأل عشرات الأسئلة. لماذا وكيف وهل بإمكانك إثبات صحة ما تقول...؟ وأنا... أطيع شيخا لا أعرفه. اللعنة على براين وماري وسان باتر ...

وتزحلقت. سقطت على وجهي. شعرت بسائل حار يسيل من أنفي، وحرقة في عيني، وخدوش في ذراعي وساقي. ساعدني الشيخ على النهوض. ناولني منديلا قطنيا أبيض تفوح منه رائحة القرنفل والبخور. قال بهدوء: ركز على خطواتك. ما زلنا في بداية الطريق.

نظرت إلى ساعتي اليدوية. إنها الثانية عشرة وعشر دقائق. باق لنا تسلق ساعتين. ركزت على خطواتي. تحاشيت الحجارة الصغيرة، ومشيت على الحجارة الأكبر. الجسد منحن بحثا عن مركز الجاذبية. عضلات الساق غير المتعودة على التسلق البطيء اشتكت من الألم، بالإضافة إلى وجع الخدوش.

مرت بجانبي شابة، تجر وراءها ثلاثة أطفال مربوطين بحزام جلدي، تفاديا للسقوط.
تعالت ضحكاتهم، عاليا. خلقت لهم الشابة جوا مرحا. أقنعتهم بأنهم يمارسون لعبة مسلية ذات قواعد محددة. بحماس، وقف الأطفال أمام نصب حجري، متوسط الحجم، للسيد المسيح. يلتف حوله سياج معدني منخفض.

قالت الشابة: إنها المرحلة الثانية من الحج. دوروا حول النصب سبع مرات، وردّدوا: تقدست الأم سبع مرات.

طاف الأطفال حول تمثال المسيح سبع مرات وهم يحسبون بصوت عال: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة، سبعة.

قالت لهم: وسبع مرات أخرى، وأنتم تقولون ليتقدس المسيح.

احتضنتهم الواحد تلو الآخر في النهاية وقبلتهم.

راقبت مرح الأطفال وفرحتهم بالطواف، وأنا جالس على صخرة قريبة.

أين قمة الجبل؟ ما زلنا نصعد أعلى فأعلى، كأننا على جبل بلا قمة. ابتعدت الشابة والأطفال ولم أعد أميز انحناءة كتفيّ الشيخ الذي سبقني. فجأة انكشف أمامي منظر مختلف. أرض منبسطة. قافلة الحجاج الطويلة ملتوية أمامي. أنا واقف على جبل، وامتداد القافلة البعيدة على جبل آخر. يربط بيني وبين الجبل الثاني، ممشى صخري، يساعد الحاج على الراحة لوهلة قبل ارتفاعه إلى الجزء الثاني.

الجبل الثاني كان يشبه الرسم الطفولي للجبال. مثل الرقم ثمانية. صخور ضخمة ناتئة.
أرض الممر، ما بين الجبلين، كانت ترابية حمراء، مبللة، تزيد من احتمال فقدان التوازن. شعرت بالعطش ولسعة الشمس الحارة على وجهي. على حين غرة، غزت الجو أسراب حشرات، هائمة، بشكل غيمة. ارتفعت أيدي الحجاج في الهواء لتبعده عن الوجوه والأذرع والسيقان العارية لمرتدي الشورتات. لحسن الحظ، ما زلت أحمل في داخلي رهبة المجيء إلى الأماكن المقدسة، وأعتبر الشورت لا يليق بالأئمة، حتى إذا كانوا راقدين على قمة جبل منذ مئات السنين.

فكرت: لو شاهدتني أمي مراعيا الأصول والتقاليد، التي لطالما رفضت مسايرتها، لافتخرت بي.

تزحلقت عجوز صاعدة أمامي، وبردّة فعل سريعة أسندت ظهرها بيدي. أجلستها على صخرة قريبة.

قالت ممازحة: لا أدري سبب استعجالي. أنا متأكدة أن سان باتريك سينتظرني. سأرتاح قليلا، وأكمل الصعود.

حافات الصخور ناتئة حادة جارحة، بعضها مغروز في جلد الجبل مثل الشوك، وبعضها الآخر يغطيه مثل الصدف أو القشرة، تتناثر حالما تلمسها اليد. بات الصعود في هذه المرحلة على أربع، ولا وجود لحافة طريق، أو حاجز، أو صخور جانبية يستند إليها المتسلق.

صعدت بين الصاعدين. الرؤوس منحنية. الأيدي تتشبث بأي شيء بارز في الأرض. الأقدام تبحث عن فجوات للاستقرار. الأجساد مجبرة على الانحناء، حرصا على التوازن. إلا أنها تبدو للناظر ساجدة خشوعا. الوجوه محمرة. الأجساد المتعبة تنز عرقا. القمصان والفانيلات مبللة تماما. الأنفاس لاهثة. هناك إحساس عارم بوحدة الفرد مع الكل. الكل مع الجبل. الجبل مع الطبيعة. في خضم هذا التوحد الكلي ما هو موقع القديس؟

لا بد أننا على مقربة من القمة. من الضريح / المزار. وجوه النازلين متألقة فرحا. متوهجة بالنور. يحيوننا بحماس، ويشجعوننا على مواصلة الصعود، وهم يلاحظون نية بعضهم على التخلي لشدة الإنهاك. "لم يبق غير مسافة قصيرة".

"استمروا. استمروا. لا تتوقفوا إنها تجربة هائلة".

آلام في مفاصلي وعضلاتي، والكدمات، ووجهي بدأ يتورم من هجوم الحشرات. فجأة، أحسست ببرد شديد. تيار هوائي يدفعني. هل انخفضت درجة الحرارة وازدادت سرعة الهواء، أم أنني على وشك الإصابة بالبرد؟ نحن على مبعدة أمتار قليلة فقط. الكل يسرع. اللهفة والشوق يزيدان من سرعة التسلق. كبار السن، استعادوا حيويتهم، الصغار موعودون بأداء لعبة جديدة. يا سان باتريك... يا سان باتريك...

"بضع خطوات، ونصل "تقول أمي، وهي ممسكة بقوة بيدي، لأواصل السير معها، لئلا أضيع. أقول متضرعا: ماما... ماما ... أنا تعبان... تجيبني بصبر: "نزور أولا، ثم نرتاح".

حول المرقد مع الحشود ندور. أمواج من أجساد بشرية تلتف حول ضريح مسيج. في قلب دائرة بشرية. تدفعني سيقان الحشد. أسمع صوت الدليل، وهو يسير أمامنا، قارئا بصوت هامس قوي: "السلام عليكم يا أصفياء الله وأوليائه. السلام عليكم يا أنصار أبي عبد الله. بأبي أنتم وأمي. طبتم وطابت الأرض التي فيها دفنتم، وفزتم فوزا عظيما. فيا ليتني كنت معكم فأفوز معكم".

شعرت بالإرهاق. خذلني جسدي الخمسيني. كيف تذكرت كلمات الدعاء السحيق، أنا الذي لا يحفظ جملة أو رقما أو اسما؟ الضعف الجسدي كان يحثني على النزول. التخلي. فرفعتني قوة دفع الأجساد الصاعدة معها. استغثت بها. أرخيت عناني معها. أعلى... أعلى. النسيم البارد جفف العرق. انتعشت الأسارير. سكنت فورة السؤال. الاعتراض. أذعنت. تدريجيا، غادرني ثقل الروح. خف الجسد صعودا إلى برد الظلال.

رفعت رأسي نحو الأعلى. أطلّ علي من حافة فسحة القمة، وجه الشيخ الجليل، عيناه الودودتان، شعره الفضي. تفوح منه رائحة البخور.

مبتسما، مشجعا، كان ينظر إلي ملء عينيه. رأيت في صفاء عينيه، انعكاس صورته المرسومة في عيني. تعثرت فمدّ يده جاذبا إياي إليه.

* كاتبة عراقية

اقــرأ أيضاً

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق "آر تي نوبة": أغانٍ للغد البعيد
التالى حسين مجدوبي.. وصايا لعابري مضيق الهجرة

ما رأيكم بالشكل الجديد للموقع؟

الإستفتاءات السابقة